«مسبار الأمل» يبني أول أرشيف مناخي رقمي عربي للمريخ

آمنة الكتبي (دبي)أصبح مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» منصة علمية تبني ما يشبه «الأرشيف المناخي الرقمي» للمريخ، حيث تحول خلال السنوات الماضية إلى منصة تضم البيانات العلمية التي تجاوز حجمها حتى عام 2026 أكثر من 10 تيرابايت، في واحدة من أكبر قواعد البيانات المفتوحة الخاصة بالغلاف الجوي للكوكب الأحمر على مستوى العالم. وعززت المهمة حضور دولة الإمارات كشريك فاعل في المجتمع العلمي الدولي، ليس فقط عبر المشاركة في استكشاف الفضاء، بل من خلال الإسهام المباشر في إنتاج المعرفة العلمية العالمية وتوفيرها بصورة مفتوحة، ويعكس ذلك تحولاً نوعياً في طبيعة الدور العربي في قطاع الفضاء، من مرحلة المتابعة والاستهلاك العلمي إلى مرحلة إنتاج البيانات والمعرفة، والمساهمة في تطوير علوم الكواكب عالمياً.وأكمل مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ «مسبار الأمل» 2141 يوماً منذ انطلاقه إلى الكوكب الأحمر، ويدور المسبار في مدار بيضاوي بين 20 ألف كم، و43 ألف كم، مع ميلان نحو كوكب المريخ بزاوية 25 درجة، ويكمل دورة واحدة حول الكوكب كل 55 ساعة، حيث يسجل مجموعة متكاملة من البيانات لكوكب المريخ كل 9 أيام، في إطار مهمته لرسم خرائط للغلاف الجوي للكوكب الأحمر.ومع استمرار المهمة بعد تمديدها رسمياً حتى عام 2028، تتوسع القيمة العلمية للمسبار بصورة متسارعة، ليس فقط بسبب حجم البيانات التي يجمعها، بل نتيجة طبيعة هذه البيانات واستمراريتها الزمنية، ما يمنح العلماء للمرة الأولى فرصة بناء «ذاكرة مناخية» متكاملة للمريخ، تشبه إلى حد كبير الأرشيفات المناخية التي تعتمد عليها مراكز الأرصاد الجوية على الأرض لفهم تغيرات الطقس والمناخ. وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن القيمة العلمية لم تعد مرتبطة بعدد الصور أو المشاهدات فقط، بل في القدرة على تتبع سلوك الغلاف الجوي للكوكب الأحمر بشكل مستمر، وعلى مدار اليوم والفصول المختلفة، وهو ما لم يكن متاحاً بهذه الدقة والاستمرارية في مهمات سابقة، حيث يعمل «مسبار الأمل» من خلال مداره العلمي الفريد على توفير تغطية شبه شاملة للمريخ خلال أوقات مختلفة من اليوم المريخي، ما يسمح بتتبع تطور الظواهر الجوية والمناخية بصورة ديناميكية، بدلاً من الاكتفاء بلقطات علمية متقطعة. كما ويمنح ذلك العلماء قدرة أكبر على فهم كيفية تشكل العواصف الترابية، وحركة السحب الجليدية، وتغير درجات الحرارة، وديناميكيات الغلاف الجوي العلوي، إضافة إلى دراسة فقدان ذرات الهيدروجين والأكسجين إلى الفضاء.ومنذ دخول المسبار مدار المريخ عام 2021، بدأت أجهزة المهمة العلمية الثلاثة في إرسال تدفقات ضخمة من البيانات إلى مركز العمليات الأرضي في دولة الإمارات، وتشمل كاميرا الاستكشاف الرقمية EXI، ومطياف الأشعة تحت الحمراء EMIRS، ومطياف الأشعة فوق البنفسجية EMUS. وتعمل هذه الأجهزة بشكل تكاملي لتوفير صورة شاملة عن طبقات الغلاف الجوي المختلفة للكوكب الأحمر.ولا تقتصر أهمية هذه البيانات على المجتمع العلمي الإماراتي فحسب، بل أصبحت مورداً عالمياً مفتوحاً للباحثين والجامعات ومراكز الأبحاث حول العالم، ضمن سياسة البيانات المفتوحة التي اعتمدتها المهمة منذ بدايتها، وأسهم ذلك في توسيع نطاق الدراسات العلمية المعتمدة على بيانات «مسبار الأمل»، خصوصاً في مجالات ديناميكيات الغلاف الجوي، وتطور الكواكب الصخرية، والطقس الفضائي.وخلال السنوات الماضية، ساعدت البيانات المتراكمة للمهمة في الوصول إلى نتائج علمية جديدة، من بينها تقديم أول صورة زمنية متكاملة للتغيرات اليومية في الغلاف الجوي للمريخ، إلى جانب رصد ظواهر غير مسبوقة، مثل الشفق المنفصل حول الكوكب الأحمر، والتغيرات الكبيرة في مستويات الأكسجين والهيدروجين في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.كما فتحت البيانات الضخمة التي ينتجها المسبار المجال أمام استخدامات متقدمة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الفضائية، خصوصاً مع الحاجة إلى معالجة كميات هائلة من الصور والقياسات الجوية والحرارية والطيفية، ويمنح ذلك المؤسسات العلمية فرصة تطوير نماذج رقمية أكثر دقة للتنبؤ بالتغيرات الجوية على المريخ، وفهم التفاعلات المعقدة داخل غلافه الجوي.وتشكل كل دورة جديدة للمسبار حول المريخ فرصة لإضافة بيانات جديدة إلى السجل المناخي للكوكب الأحمر، ما يسمح للعلماء بمقارنة التغيرات الموسمية والسنوية بصورة أكثر دقة، وفهم الأنماط المناخية طويلة المدى، كما تمثل هذه البيانات ركيزة مستقبلية لأي مهمات بشرية إلى المريخ، إذ إن فهم البيئة الجوية والمناخية للكوكب يعد عنصراً أساسياً لتخطيط الرحلات البشرية المستقبلية، وتحديد الظروف التشغيلية للمركبات والمعدات والأنظمة الداعمة للحياة.

كاتب المقال

كاتب لدي موقع عرب سبورت بخبرة تمتد لعشر سنين أجيد الكتابة في العديد من المجالات الأخبارية واتابع الأخبار لحظة بلحظة لتغطية حصرية لمتابعينا