أزمة سيولة خانقة.. لماذا يتراجع الاقتصاد رغم هبوط الديون الحكومية في تونس؟

الدين الخارجي المصري يمثل قضية محورية تتطلب تحليلاً دقيقاً يتجاوز الأرقام المجردة لفهم طبيعة التزامات الدولة المالية؛ حيث كشفت البيانات الأخيرة الصادرة عن البنك الدولي عن ارتفاع طفيف في إجمالي المطالبات الخارجية رغم التحسن الملحوظ في ديون أجهزة الموازنة، وهذا التباين يستدعي وقفة فنية لتوضيح الفوارق بين الالتزامات المباشرة للخزانة وبين ديون المؤسسات والهيئات العامة الأخرى التي لا تندرج تقنياً ضمن الموازنة العامة للدولة.

تطورات حجم الدين الخارجي وتوزيع أعبائه

سجل إجمالي الدين الخارجي نحو 163.7 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2025 مقابل 161.2 مليار دولار في يونيو من العام نفسه؛ وهو ما يعكس زيادة قدرها 2.4 مليار دولار ناتجة بالكامل عن اقتراض القطاعات والهيئات والشركات والقطاع المصرفي، وفي المقابل نجحت الحكومة في خفض ديون أجهزة الموازنة بمقدار 1.230 مليار دولار؛ مما يعني أن الضغط المالي لم يأتِ من مصروفات الحكومة المركزية بل من أطراف اقتصادية أخرى تابعة للدولة ومصنفة محاسبياً خارج الموازنة، وهذا المشهد يضعنا أمام ضرورة مراجعة هيكل الاستقراض العام وكيفية توزيع السيولة بين القطاعات المختلفة لضمان عدم زيادة الأعباء الكلية.

مدى تأثير الدين الخارجي للقطاعات غير الموازنية

تشكل القروض التي تحصل عليها كيانات مثل الهيئة العامة للبترول والشركات القابضة جزءاً كبيراً من الالتزامات التي تظل في جوهرها ديوناً سيادية مضمونة من الدولة؛ فبالرغم من عدم ظهورها في بنود الموازنة العامة إلا أنها تؤثر بشكل مباشر على الاحتياطي النقدي وتتطلب تدبير عملة صعبة للسداد في مواعيد استحقاقها، ويمكن تلخيص العوامل المؤثرة على واقع الدين الخارجي في النقاط التالية:

  • انخفاض ديون أجهزة الموازنة بفضل سياسات الضبط المالي.
  • توسع الهيئات الاقتصادية والشركات العامة في الاقتراض الخارجي.
  • تحمل الدولة لمسؤولية سداد القروض المضمونة سيادياً للقطاعات الأخرى.
  • تأثير تحركات سعر الصرف على قيمة الالتزامات المقومة بالدولار.
  • ضرورة تفعيل مبدأ وحدة الموازنة لتحقيق رقابة شاملة على التدفقات.

العلاقة بين ديون الموازنة والالتزامات السيادية

نوع الالتزام الحالة الراهنة
ديون أجهزة الموازنة شهدت تراجعاً فعلياً بنحو 1.230 مليار دولار
ديون القطاعات الأخرى ارتفعت بمقدار 2.4 مليار دولار خلال الربع الثالث
الوضع الإجمالي زيادة في مجموع الدين الخارجي لصالح الهيئات والشركات

تطبيق مبدأ وحدة الموازنة يعد ضرورة اقتصادية حتمية لضمان عدم تسلل الالتزامات عبر ثغرات التصنيف المحاسبي؛ فالاقتصاد الوطني يواجه عبئاً واحداً بغض النظر عن الجهة المقترضة طالما أن الدولة هي الضامن النهائي، والتركيز على خفض الدين الخارجي الخاص بالموازنة وحده قد يعطي صورة غير مكتملة عن الموقف المالي الحقيقي للدولة، ولذلك يتطلب الأمر رؤية شمولية تدمج كافة الالتزامات تحت مظلة واحدة لإدارة المخاطر المالية بفعالية وضمان استدامة النمو الاقتصادي بعيداً عن ضغوط المديونية المتراكمة في الهيئات التابعة والقطاع المصرفي العام.

تمثل إدارة الموارد وتنسيق السياسات بين مختلف قطاعات الدولة حجر الزاوية في معالجة فجوات التمويل؛ إذ لا يمكن الفصل عملياً بين التزامات الحكومة والتزامات هيئاتها الاقتصادية عند تقييم الجدارة الائتمانية، وتظل الشفافية في عرض البيانات هي الأداة الأهم لبناء الثقة في المسار المالي الحالي وقدرته على تجاوز التحديات العالمية مع الحفاظ على استقرار العملة الوطنية.

صحفية متخصصة في القضايا الاجتماعية وشؤون المرأة، تكتب بزاوية إنسانية تعكس نبض المجتمع وتسلط الضوء على التحديات والنجاحات في الحياة اليومية.