ارتفاعات مستمرة .. جاذبية الذهب كملاذ آمن تدفع سعره لقمم جديدة في الأسواق
الذهب كملاذ آمن في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المتقلبة عالمياً
شهد الذهب تهافتاً كبيراً في عام 2025، خصوصاً مع تزايد التوترات الجيوسياسية والحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب المخاوف الناتجة عن ارتفاع الدين الحكومي الأمريكي وتهديدات استقلال مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما أظهر الدور الحيوي لهذا المعدن كملاذ آمن للمستثمرين المنعكس مباشرةً في ارتفاع طلبهم، لا سيما على صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب، إضافة إلى زيادة احتياطات البنوك المركزية.
الذهب كملاذ آمن ومستقر في مواجهة تقلبات الأسواق
يُقدّر المستثمرون استقرار الذهب وسيولته العالية، إذ لا يعود جاذبيته إلى العوائد المباشرة، بل إلى كونه وسيلة فعالة للتحوط ضد التضخم وتآكل القوة الشرائية للعملات، خصوصاً مع تزايد ضغوط الرئيس ترامب على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة. في فترات انخفاض أسعار الفائدة، يصبح الذهب أكثر جاذبية بسبب انخفاض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به مقارنة بالأصول المُدرة للفوائد، ما يعزز توقعات المستثمرين حول مزيد من تخفيضات سعر الفائدة الأمريكية خلال 2026، وخصوصاً مع قرب تعيين رئيس جديد للبنك المركزي قد يعزز السياسة النقدية التيسيرية.
ارتفاع أسعار الذهب والفضة مع تصاعد رهانات خفض الفائدة الأمريكية
يُواصل المستثمرون تعزيز رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة الأميركية من خلال تكثيف اقتنائهم للذهب والفضة والمعادن النفيسة الأخرى، ضمن استراتيجية تستهدف تحوط استثماراتهم من تقلبات قيمة العملات، خاصة في ظل تراجع ثقتهم بالملاذات التقليدية كالديون السيادية والعملات، بسبب العجوزات المتنامية في الموازين العالمية. ويتسم سعر الذهب بعلاقة عكسية مع الدولار الأمريكي، فإذا ضعف الدولار، يصبح الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، مما يضيف إلى جاذبية المعدن النفيس ويحفز الطلب عليه.
تأثير مشتريات البنوك المركزية والثقافة العالمية على أسعار الذهب
لم تقتصر العوامل المؤثرة على تحركات المستثمرين فحسب، بل يمتد تأثير الذهب إلى الثقافة والاقتصاد، حيث تلعب الأسواق الكبرى مثل الهند والصين دوراً بارزاً في الطلب على الذهب، ليس فقط لأغراض الاستثمار، بل أيضاً بسبب دوره التاريخي كرمز للثروة والأمان، مع توريث العائلات مجوهرات وسبائك عبر الأجيال، ما يعزز الطلب الفعلي حتى عند تذبذب أسعار السوق. أما البنوك المركزية، وخصوصاً في الأسواق الناشئة، فقد كثفت مشترياتها من الذهب منذ بداية 2024، سعياً إلى تقليل الاعتماد على الدولار كعملة احتياطية عالمية، لا سيما في ظل العقوبات الاقتصادية التي أظهرت هشاشة الأصول الأجنبية، كما يظهر اهتمام بنك الشعب الصيني بتعزيز مكانته في سوق الذهب العالمي عبر زيادات متواصلة في حيازاته.
| البنك المركزي | اتجاه مشتريات الذهب | السبب الرئيسي |
|---|---|---|
| بنك الشعب الصيني | زيادة مستمرة لمدة 13 شهراً | تعزيز موقعه في سوق الذهب العالمي |
| البنوك في الأسواق الناشئة | شراء كميات كبيرة | تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي |
| البنوك في الدول المتقدمة | مبيعات ضئيلة | الحفاظ على استقرار السوق وتجنب التخمة |
يتوقف استمرار ارتفاع أسعار الذهب عند عدة عوامل، منها ارتفاع قيمة الدولار، أو اتفاقات تجارية تحد من الرسوم الجمركية، أو اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى احتمالية تجميد المستثمرين لأرباحهم، إلا أن الطلب على الذهب لا يزال بعيداً عن الذروة، مع استمرار البنوك المركزية في دعم حركة السوق من خلال شراء واحتفاظ بالذهب.
تترافق حيازة الذهب المادي مع تكاليف تخزين وأمان وتأمين، ويتحمل المستثمرون عادةً علاوة على سعر السوق الفوري عند شراء السبائك والعملات، كما توجد فروقات سعرية جغرافية يستغلها التجار في عمليات المراجحة، ما حدث فعلاً في 2025 مع ارتفاع أسعار عقود الذهب المستقبلية في “كومكس” بأمريكا مقارنةً بالسوق الفورية في لندن، ما أدى إلى حركة نقل كثيفة للمعدن إلى الولايات المتحدة.
تتسم حركة تداول الذهب بخصوصية تقنية، إذ تختلف سبائك الذهب المستخدمة في الأسواق العالمية من حيث الوزن والأبعاد، مما يستلزم إعادة تكرير السبائك وصهرها في سويسرا لتلبية متطلبات السوق. وهذا يُسبب اختناقات مؤقتة في حركة التداول عند الحاجة لإعادة توزيع المخزون، رغم سهولة نقل الذهب عبر رحلات الطيران التجارية بشكل سري.
يثبت الذهب بالتحولات العالمية مرة أخرى مكانته الفريدة كملاذ آمن به القدرة على مقاومة التقلبات الاقتصادية والسياسية، مدعوماً بالتفاعل المعقد بين المستثمرين، الثقافات الكبرى، والبنوك المركزية، مما يجعل توقع مستقبله مرتبطاً بعدة متغيرات داخلية وخارجية تحكم الأسواق المالية العالمية.
